ليك، إذا بتسألني شو أكتر مشهد علّق براسي من أيام حرب تشرين 2024، ما رح إحكيلك عن الصواريخ ولا عن الدمار. رح إحكيلك عن موقف زغير بعدو لهلأ محفور بقلبي. بوقتها، لبنان كلو كان عايش برعب. المدارس، الجوامع، والكنايس تفوّلت ناس نازحة. بهديك الإيام بطّل حدا يسأل “إنت من وين؟”، صار الهم الوحيد: “وين رح تناموا الليلة؟” بمدرسة قديمة بطرابلس، كانت “أم حسن” قاعدة مع ولادها التلاتة بعد ما نزحت من الجنوب. كل ليلة بتنام والتلفون بإيدها، ناطرة مسج من جوزها اللي ضل هنيك. وبنفس المدرسة، كان في “أبو جوزيف”، رجال كبير مسيحي من زغرتا. هيدا الزلمة كان متطوع ما بيهدى؛ بيوزّع أكل، بيفرّح الولاد، وبيسهر طول الليل ليتأكد إنو الكل بخير. الله وكيلكم ما كان ينام! ليلة من الليالي، حوالي الساعة 3 الصبح، صار قصف كتير قريب ع المدرسة. انقطعت الكهربا وصاروا الولاد يصرّخوا. بنت أم حسن الصغيرة رعبتها كانت بتوجع القلب، وحتى إمها ما عادت قادرة تخبّي خوفها. فجأة، بيقرّب أبو جوزيف، بيقعد حد البنت وبيقلا: “بتعرفي؟ أنا كمان بخاف.. بس الله ما بيترك حدا لحالو.” بعدين شلح صليب خشب زغير من رقبته، عطاه ياه وقلا: “خديه الليلة.. يمكن يحمينا كلنا.” بهديك اللحظة، حرفياً اختفت كل الطوايف. ما ضل في غير ناس خايفين عم بيحاولوا يطمنوا بعض. البنت هديت، وأم حسن قعدت تبكي. وتاني يوم الصبح؟ البنت رجّعت الصليب لأبو جوزيف وقالتلو: “خلّيه معك.. لإنك إنت اللي عم تحمينا.” قبل الحرب كنا نسمع كتير حكي عن الانقسام وكل منطقة خايفة من التانية، بس هيديك الليلة علمتني إنو وقت الجد منرجع إنسان وبس. لا طايفة بتحمي، ولا سياسة بتطمن، اللي بينقذنا عنجد هو إيد بتنمدلنا. اكتشفت إنو مهما اختلفنا، كلنا مندوّر عالشي ذاته: الأمان، الرحمة، وحدا يحسسنا إنو مش لحالنا. ولما رجال من الشمال يكون هو مصدر الأمان لطفلة نازحة من الجنوب، بتعرف إنو قلوب اللبنانيين رغم كل شي ما ماتت، وإنو اللي بيجمعنا أكبر بكتير من اللي بيفرقنا. الحرب ما بتترك منتصرين؛ بتترك ناس تعبانة، بيوت ناقصة، وذكريات بتوجع. بس القصص الإنسانية هيي الشي الوحيد اللي بيرجّع إيماننا ببعض. لبنان جرّب الكراهية كتير، وما حمت حدا. نحنا اليوم مش بحاجة لشي قد ما بحاجة نتذكر إنو هالبلد ما بيوقف عالإجريه إلا إذا ضلينا سند لبعض.